البشرية.. تاريخ مفعم بالأمل

استند عمل المؤلف الهولندي روتجر بيرغمان على دراسات معاصرة وتحليلات تاريخية تدعم فكرته بأن البشر يفضلون السلوك التعاوني والاجتماعي على الكراهية والعنف، محاولا دفع المتشائمين لإعادة التفكير في مبرراتهم.
ويقول بيرغمان إن حياة أسلافنا من عصور ما قبل التاريخ والمجتمعات القبلية لم تكن بهذه الصورة السيئة والوحشية التي يجري تخيلها في كثير من الأحيان. وبدلاً من ذلك، كانت هذه المجتمعات مسالمة إلى حد كبير ومنظمة ذاتيًا، قبل أن تبدأ المجتمعات في تبني التسلسلات الهرمية الاجتماعية وتظهر أنظمة الجيوش والحكام الدائمين، ومعهم، كما يقول، برز العنف وعدم المساواة.نظرية القشرةينفي بيرغمان أن يكون البشر، بحكم طبيعتهم وفطرتهم، أنانيين وعدوانيين، ويسمي هذه الفكرة السائدة "نظرية القشرة"، ومفادها أن الحضارة ليست أكثر من قشرة رقيقة تتصدع، وعندما تضرب الأزمات المجتمعات مثل فترة سقوط القنابل أو ارتفاع مياه الفيضان يصبح البشر في أفضل حالاتهم، كما يقول المؤلف.


ويراجع بيرغمان ما كتبه المفكرون والفلاسفة وباحثو علم النفس الاجتماعي، ويستعرض أفكار الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز أو كما يسميه "الرجل الذي أكد أن المجتمع المدني وحده يمكن أن ينقذنا من غرائزنا الأساسية"، والفرنسي جان جاك روسو الذي اعتبر أن البشر فطرتهم جيدة وأن "الحضارة هي ما يدمرنا".
ويبدو المؤلف متضامنًا مع رأي روسو، ويشرح فكرته بالقول إن عصر اكتشاف الزراعة مثل سقوطًا للتعايش البشري السعيد، مؤكدًا أنه لا يوجد دليل يدعم الفكرة الشائعة على نطاق واسع بأن مجتمعات البدو والصيادين كانت غير سلمية، لكن السلطة تفسدهم، كما يقول.
ويتساءل المؤلف "ماذا لو كانت أفكارنا السلبية حول الطبيعة البشرية هي في الواقع شكل من أشكال الجهل؟"، مؤكدًا أن البشر في الواقع أكثر لطفًا وإيثارًا من الحكومات أو الشركات أو المؤسسات الحديثة.
ويطرح الكتاب فكرة جذرية مفادها أن البشر في أعماقهم "محترمون" ويتمتعون بالرقي، ومع ذلك قد يتساءل بعض القراء: إذا كانت نتائج المؤلف صحيحة فلماذا يتقاتل البشر إذن؟ ولماذا يمتلئ العالم والتاريخ بالحروب والشرور والإبادات الجماعية؟
تشاؤم الفلاسفةوفقًا للمؤلف "لدينا نظرة متشائمة إلى حد ما ليس لأنفسنا على وجه التحديد، ولكن تجاه كل شخص آخر"، ويشرح "نحن نعتبر الآخرين أناسًا أنانيين وغير جديرين بالثقة وخطرين، وبالتالي نتصرف تجاههم بريبة وشك، وهكذا تصور الفيلسوف في القرن 17 توماس هوبز حالتنا الطبيعية، معتقدا أن كل ما قد يحول بيننا وبين الفوضى العنيفة هو دولة قوية وقيادة حازمة".
لكن في حالة اتباع هوبز، كما يقول بيرغمان، فإننا نضمن أن تنعكس علينا النظرة السلبية التي نراها عن الطبيعة البشرية، وبدلاً من ذلك، يضع المؤلف ثقته في جان جاك روسو، المفكر الفرنسي في القرن 18، والذي قال إن الإنسان يولد حرًا، بينما الحضارة -بطرقها وأدواتها القسرية ونظام الطبقات الاجتماعية وقوانينها التقييدية- هي من يضعه في القيود والأغلال.
ويُنظر إلى هوبز وروسو على أنهما قطبا جدل الطبيعة البشرية، ويقول المؤلف إن اكتشاف البشر للزراعة أدى لانقلاب كل شيء، وعلى مدى العشرة آلاف عام التالية كانت كل أشكال الحرب والجشع والظلم تحدث، وسواء كانت هذه الرؤية للحياة قبل الزراعة دقيقة أم لا، ويجادل المؤلف الهولندي بأن المجتمع المعاصر قد بني على فرضية خاطئة، مؤكدًا أن البشر في جذورهم "ودودون وسلميون".
التقدم والجائحةومنذ عصر التنوير الأوروبي وما تلاه، كان لدى العالم الغربي اعتقاد دائم بأن أحوال البشرية تتحسن باستمرار عبر تطوّر المؤسسات والأفكار والابتكارات وأنماط الحياة الجديدة. وفي العصر الحديث، من المفترض أن تتسارع وتيرة التقدم مع التقنيات الجديدة التي تمكّن الأفراد والمجتمعات، لكن هل التقدم حتمي بالفعل؟
يزعم الناقدون لهذه الفكرة أن الحضارة الإنسانية اختلفت بالفعل لكنها لم تتقدم ولم تصبح أفضل، وعلى مدى القرنين ونصف القرن الماضيين، ينظر بعض الفلاسفة والمفكرين للتقدم بطريقة أخرى باعتباره "أيديولوجيا وليس حقيقة" أو طريقة للتفكير في العالم بدلاً من وصفه.