8 | شمس بيضاء باردة

 

صدرت الرواية عن دار الآداب في بيروت للكاتبة الأردنية كفى الزعبي، عام 2018، و وصلت للقائمة الطويلة ومن ثم القصيرة لجائز البوكر للرواية العربية.

تصور الرواية حياة شاب أردني مثقف وفقير يعيش في إحدى الأحياء الفقيرة في عمان بعد أن يضطر لترك أهله بحكم وظيفته في العاصمة، تحكي رواية قصة الشاب وما يكابده من مآسي خلال حياته المعدمة في غرفة نائية تزيد من معاناته.

- "شمس بيضاء باردة"، الرواية التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر2019، وهي تستحق ذلك على صعيد البناء الروائي الممتاز الذي قدمته "كفى الزعبي"، واللغة السلسة التي استخدمتها، والتركيب اللغوي الممتاز، والسرد المشوق في الكثير من الأحيان والوصف المعبر للمشاهد وتحويل الكثير من الأسئلة الفلسفية الى جمل سهلة القراءة والفهم.

- تنطلق الرواية من الريف، الريف كمكان وككناية عن العيش على هامش الحياة، وسط الجهل والتخلف، حيث يطالعنا بطل القصة "راعي" (اختيار الإسم أتى موفقاً) الذي تربى في بيئة يهمها المظهر العام والمحافظة على الصورة النمطية في اعين الآخرين حتى لو كانت هذه الصورة متكسرة ومنحطة من الداخل كما صورتها الكاتبة.

- "راعي" الذي يعيش في كبت عقلي واجتماعي، تقيده العادات الموروثة، ويحكمه اب "متدين" لا يفقه شيئاً سوى الجشع، يحاول أن يثور على هذا الواقع بواسطة الثقافة والكتب، لكنه يستجيب لغريزته مع بلهاء التجأت اليهم فيعاشرها وتحبل منه وتبدأ معاناته النفسية التي استطاعت الكاتبة وصفها بدقة وتفصيل مملين في بعض الأحيان.

- تنتقل القصة في جزءها الثاني إلى المدينة و"أحمد" صديق "راعي"، الذي يخسر زوجته التي ضحّت كثيراً من اجله لأنها تحبه وهو في المقابل لم يكن بإستطاعته تقديم الحياة المفترضة لها ولأولاده، وبعد معاناة طويلة تهجره... فينتحر! تعود الكاتبة لتربط بين زوجته و "راعي" في قصة عاطفية عبثية يتداخل فيها طيف "أحمد" مع عقد "راعي" النفسية مع مشاعر الأرملة وماضيها ويبقى السرد متواصلاً حتى وصول "راعي" إلى حافة الجنون التام، لتنهيها الكاتبة بقتامة سوداوية واقعية من دون أي نافذة أو سبيل آخر!

- الكاتبة موسوعية بلا شك، فهي تأخذ ملحمة جلجامش من زمانها، وتنسج أحداثاً تحاكيها في الزمن الحالي، معرجةً على جبران ونيتشة وميللر وكامو وشوبنهاور... ولا أعتقدها اختارت كتاب "النبي" بالصدفة! كما أنها دمجت الفلسفة الوجودية بالعبثية المطلقة جاعلة من الوجود عبثاُ بعبث في المقدمات والنتائج، مستفدية من دراسة تحليلية لنفسية الشخصيات المتناقضة والمتصارعة من أول صفحة إلى آخر صفحة.

- الكاتبة تكلمت بألسنة عديدة، فهي تارة تحدثنا بإسم الكافر، وتارة بإسم المؤمن وتارة بإسم المؤمن المزيّف، وطوراً بإسم السكير، لكنها تبدو حانقة على رجال الدين او على ممارساتهم، على الفهم الخاطئ لمفاهيم الحق والخير، هي تبدو حانقة على البيئات الجاهلة التي تتخذ من الدين سبباً لجهلها، ولذلك تراها تهاجم هذا التخلف في العديد من أماكن الرواية..

(ما دامت هناك حياة أخرى، وليس الموت سوى ممر إليها؟ لو كانوا على يقين تام بذلك، لما عانوا هذا الحزن كلّه، ولما كان الموت فجيعة، ولودعوا الموتى كما يودعون المسافرين، بألم اقل)، كما طرحت اسئلة وجودية (وأي مجد يبغيه الله من العقاب؟ أي مجد؟ حسناً، ها هو كتب علينا الحرب هنا، وسيكتب علينا الجحيم هناك).

- حسناً، بعد كل هذا ما المشكلة مع الرواية؟ إنها شخصية "راعي" نفسه، فالكاتبة التي حاولت تصويره أنه "مثقف" ويحاول تطوير حياته بالقراءة كبلته بالغريزة الأولى وجعلته يغتصب أو يستجيب لعائشة فيضاجعها، ثم أتت بالنفس اللوامة التي دمرته نفسياً بشكل تام وجعلت من هذه الحادثة الجوهر في بناء شخصية "راعي"، ومن ثم استغلت هذه الحالة النفسية لتفسير الكسل والعبثية والتفاهة التي شكلت حياة "راعي"، فطوال الرواية لم تستطع الإشفاق عليه بل ستراه معتوهاً وفاشلاً في العديد من الحالات وتافه في تعاطيه مع حياته وحياة من حوله، ولن تقتنع بأن حادثة الإغتصاب كانت سبب هذه الحياة التي عاشها، رغم تفهمك لرسالة الكاتبة أن هكذا حياة وتصرفات وتربية ستقودنا إلى الجنون التام كمجتمع في وقت لاحق!...

شمس بيضاء باردة،كفى الزعبي،جائزة البوكر